أدب الروايةالأدب الفلسطيني

حينما ينتصر الحب في أرض الحرب

تقييم ومراجعة رواية شيطان تسكنه أنثى، للمؤلف الغزاوي أحمد عيسى عن دار النشر الوليد الليبية

أعود مرةً ثانية لقراءاتي السابقة في فترة ٢٠١٨ – ٢٠١٩، وتحديدًا بعدما قرأت كتاب ورثة كاليجولا. لأنني قمت بإعادة تنظيف كتبي واكتشفت أن الدافع وراء إعادة قراءاتي السابقة هي تقييم ذائقتي القديمة في الكتب وليس بأنني لا أملك كتب جديدة. ولكن أحنُّ لتلك المتعة التي أقرأ لمجرد القراءة والاستمتاع بها، لهذا حظيتُ بشهر مايو لقراءة كتاب شيطان تسكنه أنثى، للكاتب الغزاوي أحمد عيسى، من إصدارات الوليد التي كنت اشتريها بجنون دون وعي بسبب وفرتها في السوبرماركت. 

نحنُ بصدد قراءة أدب فلسطيني غزاوي بحت. تدور أحداث القصة عن الشابة “لينا” يعتقل قلبها الحب لأشرف، ويحاول الوصول إليها عبر الطريق الشرعي لكن سجن إخوتها كان أصمدَ منه، وأتاه الرفض كالطامة الكبرى، مثل القصص العشوائية التي نسمعها في صغرنا وعبر المجتمع، لم يقبلوا به لأنه فقير، لأنه شاعر، ولأن قلمه هو جوعه. فتفتح آفاقًا لبطلتنا، لينا، نحو الفكاك والخلاص من حكم إخوتها، وكيف تضم هذا الحب في وسط ديارٍ تحتلها جيوشٌ إسرائيلية. 

رواية تقدم تلاعب وضغطًا نفسيًا في الأحداث وتدمج معها مآسي التاريخ التي لا ترحم، تتزاحم بالخيرِ والشر والظروف الحياتية الصعبة والطبقيّة المظلمة. وتناقش صراعات النفس البشرية دون حشوّ أو إقحام فجّ. 

الشخصيات وتحولاتها النفسية: 

– مها: نجد هذه الشخصية النسائية قد تكون ذكية، على الأقل في رأيي الشخصي، في كلماتها وتخاطرها، بغض النظر عن بعض تصرفاتها التي توحي بجرأة معينة وقلة حيلة من وجهة نظري حتى تحيا حياة جيدة.

– لينا: تمسكت بقرار الزواج من أشرف الذي لم يكن سوى فقير أحبّ غنيّة في وسط عائلة متوحشة. 

– أشرف: يفقد جزءًا من نفسهِ في ذاكرة الظلام ولا يعود إلا بما يحلّ ذلك اللغز الذي وقع على جسده في كشف حقيقة ما حدث للينا. ويبزغ حبه كالنبوة ولكن كل هذه الأحلام تختفي في تقبل تحول شخصيته إلى رجل آخر.

– إخوة لينا “مجدي وماجد وأحمد”: مثال حيّ ومتوازن على الشر والخير معًا، فأحدهم يدخل في قضايا سياسية لا تنتهي، وآخر يريد كسب المال بالحلال لكن بلعبٍ خفيف، وأحمد لا يكمن في نفسهِ ذرة شر فهو حالم وفنان ويشعر بأختهِ حتى بلمسات جسدها التي نُهكت. 

نغوص أكثر في أعماق القصة، وتهرب “لينا” لمنزل خالها ويتخاصم الخال مع ابن اخته في عدم صلة الرحم وعدم تقسيم الورثة بالعدل، وتدخل لينا في كنف زوجة خالها، وتترافع أصواتهم عاليًا فيخرج اخوها، والتقطت هي أنفاسها أخيرًا، وتستريح في منزلهم، وهم في حاجة ماسة للعيش حياة طبيعية، نحو الطعام والشراب وحتى حياة كريمة في منزل لا ينهدم في أيّ ثانية. ولكن سرعان ما تتلاشى هذه الحياة القصيرة بعد حادثها مع ولد خالها في كشف حقيقة إخوتها وكُشف الستار أمامها وهي تصرّ الآن اكثر على قرارها. 

تعرضت لديجا فو شديدة، بدأت لحظات يوميات أشرف حينما تم اعتقاله في مصر، وكانت الضربات والشتائم تقع على جسده، يرتجف من الخوف ولا يدري ما مصيبته التي حلت عليه، رغم إنه يعلم أنه اخطأ بطريقة ما. وهذه المشاهد جعلتني أتذكر بطل رواية القوقعة! فتشابكت الكلمات في عقلي واستوعبت أخيرًا أنني كنت أقرأ أدبًا سوريًا معنف من نظام الأسد وهنا أدبًا فلسطيني يعاني من الكيان المحتل، ولكنه يدخل في دائرة مصر بهوية مشكوكة! — فشعرتُ بالظلام وهو يضم روحي ويخنقها في شعور غريب. 

إنه مؤلم فعلًا الكم الهائل من التعذيب والفساد الدولي الذي تتعرض له بلاد العرب! وما أنزل دموعي أكثر حينما رغب العسكري بأن يقوم أشرف بحكاية قصة لطفل في العنبر الثاني، وفي أوّل الحكاية، يوصف أن العصفور جميلٌ وشقيٌ، واستوقفه الطفل ليسأل بفضول، ماذا يعني عصفور؟ فتراجع أشرف خطوة، فأكمل ولم يجب وقال أنه يبني عشًا على الشجرة، فسأل الطفل ثانيةً، ماذا يعني شجرة؟ — فقد صبره أشرف وأجابت والدة الطفل سريعًا إنه ولد في الزنزانة ومفرداته قليلة، لا يعرف إلا أمه وعنبر، باب، سرير، حائط، زنزانة. 

أيّ نوعٍ هذا من الألم؟ — إنني بكيتُ دون وعيٍ مني! 

وفهمت لماذا أحببتُ هذه الرواية بشدة في أوّل قراءة لي فيها. كل صفحة فيها رائعة وجودة الكتابة مذهلة، وحتى أدوار الشخصيات وتطورها، التناغم ممتاز، وعشت معهما بشغف نحو القصة. رغم إنني قرأتها سابقًا إلا أنني لا اذكر بشدة القصة كاملة وعلى ماذا انتهت، لكنني توقعت كل شيء، ورغم توقعي إلا إنه لم تختلف معي التجربة للمرة الثانية وبقيت على نفس نغمتها التي قرأتها.

لديها طابعٌ رائع، أشعر بها كلاسيكية، وممتعة. دافئة وتصل لقلب القارئ حتى مع ثقل الأحداث التي تمرّ بها. وهذا ما جعلها مميزة بالنسبةِ لي، تنتهي القصة أخيرًا على نهاية مرضية وأظن أن هذهِ واحدة من كوابيس الكاتب الجيد أن النهاية تكون جيدة، لكن أحمد أغلقها بانتصار الحب على الحروب، وتركتها في الكتب المقروءة ولا أظن أنني سأعود لقراءتها. 

وإذ تساءلت عن سبب مظهر الغلاف بهذا الشكل؟ فهو غصب عني لأنني لم أحبذ الغلاف فوضعت ملصقات تخفي وجه المرأة لأني تُزعجني.

نحن نتذكر الألم أكثر من لحظات السعادة، نتذوقه إن صح التعبير؛ لأن للألم طعمًا ورائحة كاللوز المر، فهل تنسى اللوز المر وإن حاولت؟ 

 

أكل الرجال على قد أفعالها.

 

نحن نصف أموات، تعودنا على القلة في كل شيء.

 

إنَّ التعليم يرقي الإنسان ويهذبه.

 

إنَّ المعرفة أكثر استحقاقًا من الحرية.

 

المرأة هي التي تتولى تحويل أحزان الرجل إلى مسرّات، وهي التي تروِّح عن نفسهِ، فكأننا مدينون للمرأة بحياتنا كلها.

 

— التقييم النهائي ٦ من أصل ١٠ 🇵🇸. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى