أدب الحوارأدب اليومياتالأدب السعودي

العصفورية، في ممرات الجنون

تقييم ومراجعة كتاب العصفورية للمؤلف غازي القصيبي عن دار الساقي

حينما يحول الكاتب لسانه إلى شخصية على الورق، يظهر الصدق لابسًا عباءة الحق ولا يصمت عن أيّ شيء. هذا بالفعل ما شعرت به. 

أشعر بحماسة الكاتب بين السطور بقوة وكأنني أراه كيف يكتب على عجلة في تدفق الكلمات حتى لا تضيع منه، بارع في وصف كل الأحداث بأسلوب ساخر متمكن، وكأنه يضحك بين كل نص وكل فكرة، ويعلم حجم الكلمات حينما تُقرأ مثل قرع الطبول أو اشتعال النيران. 

مذهل جدًا القصيبي في صياغة الكلمة والفكرة، ولا يعجزه أحد عن التعبير في كل شيء، فقد تمكن من إيصال أعماق مشاعر الشخصية ومعتقداته وأفكاره، حيث إنه يتحدث بكل روعة وبكل غرور بأنه يعرف كل شيء يحدث أمامه ولديه قناعته الخاصة في رؤية الأمور، ولديه آراؤه وتجاربه التي تجعله متمكّنًا في سرد الأحداث والقصص وفي زاوية أخرى هناك نقطة مظلمة تشعر بهذرة قوية لا تعني أي شيء سوى أن تتجاوز الصفحات وكأنها جدران تحاول السيطرة على جسدك. 

بعد هيامي في شقة الحرية، يمنحني القصيبي الثقة في قراءة كافة أعماله والقضايا التي يطرحها بأسلوبه الفكري الملم في كل ناحية ثقافية، -تبارك الله-، لا يشوبه شيء، وكل شيء على الطاولة يناقشه ويسهب فيه بكل ثقة وتأكيد حتى وأن كان الغرور له دور مهم. وبحكم طبيعة عمله السياسي فهو مدرك لكافة الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحتى الثقافية، هو مثل موسوعة بشرية لكل ما تريد أن تعرفه حتى لو لم تكن المعلومة مهمة. وأحب جانبه السياسي العبقري لأنه هو ما يجعل لنص الرواية ثقلًا ووزنًا. لكن العصفورية؟ 

ندخل في مستشفى العصفورية الشهير في لبنان، ونستقبل شخصية الضيف الفيلسوف، الذي روى لنا كل شيء من وجهة نظره، وحينما اقول كل شيء فأنا أعنيها بالفعل، كل شيء قد تفكر به قد قال رأيه أو تجربته عنها، سياسيًا فكريًا منطقيًا اجتماعيًا دوليًا كل شيء. ويطول الحوار إلى آخر صفحة، وتُصنَّف تحت أدب الحوار وليست رواية كما كنت أحلم، يقابل الطبيب هذا الفيلسوف محاولًا في فهم عقليته وفهم ملفه المحشو بالمعلومات والتجارب والدخول في اكثر من مصحة حول العالم. وخلال هذا الحوار يتحدث البرفسور في نظرته عن كل شيء وكانت أول أفكاره هي إصلاح الأمة العربية وتدمير إسرائيل. 

في ساعات أشعر أن الشخصية تشبه فضول يعقوب، وتجربة فؤاد، أجد أصواتهم فجأة تخرج وكأنني قد تعرفت عليهما من شقة الحرية، ولا أدري إذا كانت هذه الفكرة صائبة أو لا. فقد كانت واضحة بالنسبة لي حتى في حواره مع الفتاة الشقراء، تذكرت ذلك المشهد حينما دخلوا غرفهم مع الفتيات وكل واحد منهما يفتح قلبه على سجيّته وكل غرفة كانت تحمل شيئًا من الاختلاف. وربما هذا ما يميز كتب القصيبي إنها تتشابه كثيرًا وتطرح نفس المواضيع تقريبًا. 

في كل يوم أفتح خمس صفحات، وأتفاجأ بالارتفاع والهبوط الحاد في الأفكار، ساعةً نسبح فوق مع الغيوم وساعةً أخرى نسقط في الهاوية ممتلئة بالتربة والحشرات، هناك حدة عالية في هذا الكتاب وتدفق الأفكار وكيفية سردية حتى لو كانت حوارًا، تذكرني بشدة معزوفة استمعت إليها بشغف كبير من الارتفاع والهبوط الحاد بها، معزوفة Ty’s Music – As time flies – special version. 

أحببت السخرّية في مواضع كثيرة في الحوار، ولم أحبذ بعضها حينما كنت أجهل ماذا يعني هذا عدا تعبئة نص أو ورق! لم أفهم مواضيع الجن إلا إذا كان مقصد الفكرة بأن تكون عن موضوع القبّلية وما إلى ذلك، وهذا على حد علمي التفسير الوحيد. فهمت كثيرًا من الطروحات التي ذكرها واستمتعت بها وتعجبت لطريقة سرده وتهكمه، لكن مثل فكرة الجن وغيرها لم أفهمها فشعرت بالغرابة وأظنها طبيعية جدًا خصوصًا أن الكتاب محشور رموزًا وأفكارًا كثيرة. 

يسهب البرفسور في حكاية كل شيء في العالم، يقدم معلومات حتى لو تكن مهمة، كما يقول ويردد معلومات لا تضر ولا تفيد. والكتاب جيد في فكرته عن الأمة العربية ومقارنته مع الغرب، وحال الرواية العربية. أحببت كل تفصيلة عن حال الأمة وعن تحدياتهم ومواجهاتهم وحتى مخاوفهم وحياتهم، رهيب البناء الساخر الذي أبدع به، بينما يأتي الجنون ليضع خطًا مستقيمًا نحو الوضوح. 

لكنني لم أفهم ولا أتجرع حينما تكون هناك هذرة بلا معنى وهذا يوترني بشدة خوفًا من أن يتغير مسار الكتاب الى هدف آخر بلا معنى عن الأفكار الواضحة في أول الكتاب، ومع ذلك كله هناك صفحات جعلتني أحبط بالفعل، ومللت وحتى إنني نسيت ما أعجبني في بداية الكتاب ولا أدري لماذا؟ — كانت تجرعات كبيرة من المعلومات وعقلي يحلل كل معلومة حتى اعرف إذ تمكنت من فهم مقصده أو لا. ولا أخفيّكم وقعت في صفحات عديدة لم أستوعب ما قرأته خصوصًا حينما يسهب في رموز الشعر العربي. 

حينما أدركت أن الكتاب عبارة عن حوار بين شخصيتين! استغربت وأظن إنها المرة الاولى التي اقرأ فيها شيئًا مثل هذا. أن يكون الكتاب كاملًا بين شخصين! — ثم فكرت كيف سينتهي هذا الحوار إذ الشخصية لا تعطي فرصةً لا القارئ يتنفس ولا حتى الطبيب الذي يستمع له، ثم فجأةً ما بدأت به القصة انتهى معه، وفكرته التي كانت تنتشي في رأسه تبّخرت وحربه التي يريد خوضها انهزمت وحصل الانقلاب العسكري الذي كان يخاف منه. إنتهى الحوار بعد ٢٠ ساعة فقط، ثم اختفى البرفسور مثلما ابتدأ. 

مثلما هناك حقائق في الجنون هناك سراديب مظلمة مخيفة حينما تروى، فتشك إنها على حافة الانهيار من شدة ظلاميتها وهي تكون خيالية لأبعد حد. فتشعر بذلك الفاصل الذي يحكون عنه بين الجنون والعقل. تكون هناك العصفورية. 

”اقتباسات أحببتها”: 

— لا بد أن تذكر نفسك دائمًا بجهلك. كلَّ يوم. كل لحظة. 

— الأشخاص لا يهمّون؛ ما يهم هو المبدأ.

— طبقية في كل شيء حتى في الألقاب. 

— ما سُمِّي الإنسان إنسانًا إلا لنسيانه.

— أن مستودع كل المشاعر، كلها، هو المخّ. 

— أن الموظفين الذين يجلسون وراء الماصات كثيرًا ما يمتصّون من جيوب مراجعيهم. 

— بترول العرب للعرب، وشمبانيا الفرنسيين للعرب. 

— كل ما حققه الشعب الأمريكي حققه عن طريق العنف المسلّح. 

— لا ينبغي أن نتعامل مع الشعر بقسوة. والذي يعادي الشعر لا بدّ أن يعادي الحياة. ذلك أن الشعر هو احتفال بالحياة. الاحتفال الأكبر، والأجمل، والأخلد. 

— ما سُمّي القلب قلبًا إلاَّ لتقلّبه. ولا الإنسان إنسانًا إلا لنسيانه.

— أنَّ المبالغة مستحبّة في الأعمال الأدبية والفنيّة. 

— التقييم النهائي: ٦ من أصل ١٠ 🫆.

تعليق واحد

  1. اعجبني طريقة استخلاصك للأفكار وتدوينها
    وكيف انني تخيلت الكاتب كما وصفتيه
    وانا في انتظار المزيد 🏷️

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى