تدوينةعلم الاجتماععلم النفس

ماذا لو لم تجهض زوجة «جون كرامر»؟

مراجعة عن سلسلة أفلام "ساو"

تحذير بسيّط: تحتوى هذه التدوينة على بعض الحرق 🔥.

تابعتُ سلسلة «ساو» الدموية من سنٍ صغير جدًا مع أخي عبدالرحمن، الذي يكبرني بستة سنوات، ومن تلك اللحظة لا أستطيع نسيان هذهِ الأفلام. ويعود السبب الأكبر في ذلك إلى حبي لأفلام الرعب، خصوصًا الرعب النفسي والدموي. قد يظن البعض أنه لا ينصح أبدًا بمتابعة مثل هذه الدموية في سنٍ صغير لكنها لفتتني بشدة حتى مع تقييمها الذي يرمز لـR. لم أستطيع كراهية السلسلة، أو حتى شخصية بطلنا.

قررتُ متابعة السلسلة كاملة للمرة التي لا أذكر كم، في سنة ٢٠٢٦، ولفتتني نقاط كثيرة مهمة لم أنتبه لها في متابعاتي السابقة، وهي نقاط بديهية نوعًا ما؛ مثل أن بطلنا «القاضي»، لا يقتل، ولا يمكن اعتباره مجرمًا بالمعنى التقليدي، عدا أنه يدير لعبة بسيطة رهانها حياة المجرمين الذين أجرموا سواء بحقه أو بحق الآخرين. ومن خلال هذه اللعبة، يمر المجرمون بعدة اختبارات، وكل واحدٍ منهم لديه لعبته الخاصة التي تتوافق مع جريمته. إنها فكرة مثيرة جدًا، وقد لا تتعاطف معهم لأنهم ارتكبوا جرائم لم تأخذ العدالة فيها مجراها، بل تركتهم بحرية في الشوارع بينما يتألم أهالي الضحايا على فقيدهم. وفكرة ممارسة اللعبة والفوز بها عبر التضحية بالنفس، ومعاقبة مؤسس اللعبة للضحايا، هي جوهر القصة بأكملها.

في الفيلم الأولى، لا تتضح القصة بوضوح عن سبب ألعاب «جيغسو» (قاتل الألغاز المتسلسل)، ولماذا قرر جمع شخصين في حمام واحد؛ أحدهما بتهمة الإهمال الطبي والآخر بالمراقبة المميتة لأجل كسب لقمة العيش. ثم تنجرّ القصة حتى نعرف الرابط بين طبيب ناجح في مجاله مع مصور يراقب الناس ويعيش حياة فاشلة. والمفارقة هنا أن القائم على هذهِ اللعبة كان نائمًا بينهما طيلة وقت اللعبة حتى نهايتها ولم يدركا ذلك. ونكتشف لاحقًا عن سبب اجتماعهما في هذهِ المحنة.

نتقدم في الأجزاء ونتعرف على قصة «جون كرامر» وكيف دفعته نقطة التحول للقيام بكل هذه الألعاب ودفع المجرمين أرواحهم لذلك. والنقطة باختصار هي أن ثنائيًا عشوائيًا من متعاطي المخدرات زارا عيادة زوجة «جون» وهي حامل لتلقي العلاج، لكن الإدمان دفعهما نحو خيانة الزوجة، ويقوم الرجل بتهديدها بالسلاح لفتح باب العيادة حتى يدخل ويسرقها ولكنه حينما همّ بالمغادرة يدفع الباب بقوة مما أدى لإصابة الزوجة وإجهاض طفلتها. وهنا نقطة التحول الكبرى في شخصية «جون». وشاهدة العيّان كانت «أماندا» التي أصبحت بعد نجاحها من مصيدة الدب المعكوسة وتصرفها السريع خلال ٦٠ ثانية في فك المصيدة، مساعدته الشخصية التي تقوم ببقية المهام عنه بعد إصابته بمرض السرطان.

الآن فهمنا كيفية تحول شخصية «جون» إلى شخصية حيادية تسعى نحو العدالة، وكان التحول رهيبًا ليس لأنه مفكر جيدًا أو مجرد صانع ألعاب، ويقف في اتجاه العدالة وحسب، بل مهندسًا معماريًا ومدنيًا بصفة فتاكة؛ فهو من يقوم برسم كل هذه الأدوات، والتخطيط، والتدبير، وحتى يضع احتمالات لما قد تفعله الشخصيات من لحظة استيقاظهم في غرفة اللعبة. وهو لا يختار ضحاياه بشكل عشوائي بل يدرسهم بتدبير وتأنٍ حتى لا يخطي، ويعرف متى يكشف شخصيته ومتى يخفيها.

هناك شخصيات متعددة لا نعرف عنهم الكثير لكنه غالبًا لا يقع الاختبار عليهم إلا نتيجة اختياراتهم السلبية في حياتهم، وهذا شعار «جيغسو» الأساسي: كيف تختار من الاختيارات المتعددة في الحياة وكيف تبني شخصيتك، وحتى كيف تتعامل مع الآخرين. فإذا كانت إحدى الشخصيات كاذبة فعقابها يتجهه نحو الفم مثل مديرة علاقات الكاتب في الجزء السابع، وإذا يرى الحقيقة ويصمت معها ويدافع عن الكذبة بصفته المحامي، فعاقبه سيكون متوجهًا نحو الفم والعينين، مثل محامية الكاتب أيضًا في الجزء السابع ولا ننسى المغتصب الذي كان عقابه أن تقطع أشلاءه من يديه وقدميه من الجزء الرابع وتلك المصيدة التي كانت تضم أربع شخصيات في موقف واحد والفاصل الوحيد هو دعسة قدم صاحبهم الذي يسوق في الجزء السابع بسبب العنصرية والجرائم القائمة على الكراهية.

وماذا لو كان هناك ناجون؟ ما الدرس المستفاد من المشقة والعذاب الجسدي والنفسي الذي يقع عليهم؟
 هو درسٌ واحد فقط: تعلم كيف تتصرف وتختار، وحاول بقدر المستطاع أن تتحكم بتصرفاتك حينما تشعر بالألم. وبالفعل، هناك من استفاد وتوقف عن تصرفاته الغير أخلاقية، بل وظهروا في مقابلات تلفزيونية يتحدثون عن تجربتهم وكيف تعلموا الدرس.

ونتقدم أكثر إلى أن وصلنا للجزء الذي توفى فيه «جون» بسبب أحد اللاعبين -ونكتشف إنه لم يمت في الجزء العاشر-، حين اكتشف إنه كان يقوم باختباره طيلة الوقت ويتلاعب بأعصابه نحو عائلته. وفجأة السلسلة تأخذ سياقًا آخر مما أدى لفقداني أعصابي وأنا أتابع؛ وكنت أمقت العميل الخاص «هوفمان» دون سبب وأنا صغيره، ثم فهمت لماذا شعرت بذلك. لأنه ببساطة تجاوز قوانين اللعب الخاصة «بجون»، وقام بتدمير كل من يقف في وجهه، حتى مات الأبرياء بسببه. مما جعل تحول الفيلمين الذي قام بدوره العميل إلى قاتل متسلسل دون أي هدف أو دراسة أو حتى فلسفة معينة يتقيد بها مثل «جون».

فبطلنا هو من جعلني أتابع السلسلة بسبب فلسفته الخاصة به. ولو كنت أرغب بقاتل متسلسل يهوى القتل دون أي كود أو دافع أو هدف فهناك المزيد والمزيد من هذا النوع من الأفلام التي تظهر قتلة متسلسلين دون هدف أو كود لها أحببت كل شيء متعلق بشخصيّته. وهناك محاولات واضحة من الكُتَّاب لدمج كل شيء نحو المهندس «جون» وخططه وتدبيره في تدمير بعض الأشخاص وحتى تلقين درسًا لمساعدته الأولى لأنها قامت بفعل العميل نفسه: قتل لمجرد القتل دون أي رغبة واضحة. — أو لنقل إنها كانت تحت ضغط شديد من خوف فقدان «جون». وبالنسبة للعميل الخاص «هوفمان»، كان يكمن خوفه في أن لا يكتشفه أحد. وبالمناسبة هذه الأفكار غير مبررة. 

وأخيرًا وصلت لآخر جزء وتنهدت بشدة شاكرةً الله على العدالة الإلهية؛ لأن كما ذكرت تمادوا الشخصيات وصاروا يقلدون «جيغسو» مما أدى إلى الابتذال وضياع العمق السابق، حتى في الجزء التاسع «الدوامة». أحببنا سلسلة «ساو» بسبب شخصية جون العميقة والفلسفية وأحببنا رسمه وهندسته المعقدة، والتي تثير كل خلية في جسمي حينما تبدأ اللعبة. أحببنا توقعه المذهل لردود فعل الشخصيات الهزيلة، وضعفهم النفسي أمام الماديات أو المخدرات أو حتى النجاحات الزائفة التي تعرض حياة الآخرين للخطر. لعبة بسيطة خلال ٦٠ ثانية أو ٦٠ دقيقة قد تغيّر حياة الشخص للأبد أو قد تؤدي إلى موته، وهذا لبّ القصة، التغيير.

وددتُ بشدة لو اننا نرى فيلمًا خاصًا يغوص في عقلية «جون»، وكيفية تفكيره، ويسهب ويتحدث بشده عن كل شخصية ولماذا اصطادها عن قرب مع ذكر تفاصيل خاصة به لوحده وكل الكواليس التي لم نحصل عليها. لكنها تبقى مجرد أمنية. وأظن أن معرفتنا بجون كانت هي أفضل نقطة ممكنة مقارنةً بما رأيناه لاحقًا.

ويبقى السؤال هنا، هل كان «جون» قبل الحادثة سَيبقى ذلك المهندس الأب الراقي، الذي يصمم بيوتًا حديثة بدلًا من آلات متوحشة تقتل بلا رحمة؟ — ربما نعم، لأننا رأينا ذلك الجانب العاطفي في حبّ زوجته.

— تستحق السلسلة ٧ من أصل ١٠ 🪚.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى